بابا في جزر الكناري: الطريق الأفريقي المميت

عندما ينحني البابا أمام البحر، لا يمكن لأوروبا بعد الآن أن تتظاهر بأن الأمواج لا تحمل سوى القوارب. فهي تحمل أيضاً الجثث، والوعود الكاذبة، والذاكرة الأفريقية لأولئك الذين ماتوا وهم يبحثون عن الحياة، بينما تتجادل الحكومات حول الحدود، والحصص، والأمن، والمسؤوليات المؤجلة.

بابا في جزر الكناري: الطريق الأفريقي المميت


لم تكن زيارة البابا لجزر الكناري مجرد زيارة رسولية، بل تجاوزت ذلك. ففي أرجينيغين، التي كانت تُعرف سابقًا بـ"رصيف العار"، وضع البابا ليو الرابع عشر الطريق الأفريقي الأطلسي أمام الضمير الأوروبي. وكانت لهذه الخطوة دلالات دينية وسياسية، إذ أجبرت على النظر إلى الموتى، الذين غالبًا ما يُختزل خطاب الحدود إلى مجرد إحصائيات.

أثار وجود البابا في جزر الكناري تساؤلاً مزعجاً: كم من الأرواح الأفريقية يجب أن تختفي في المحيط الأطلسي قبل أن تتوقف أوروبا عن التعامل مع الهجرة كتهديد إداري؟ تحدث الفاتيكان عن الكرامة، والترحيب، والمسارات القانونية، والاتجار بالبشر، لكن اختيار الموقع كان له دلالات بالغة.

شهدت أرجينيغين في عام 2020 اكتظاظًا شديدًا وإهمالًا، وصورة رجال ونساء وأطفال عالقين في ميناء عاجز عن استقبالهم بإنسانية. لم تمحُ زيارة البابا ليو الرابع عشر هذه الذكرى، بل أعادت فتحها وكشفت عن الجرح الأخلاقي بين الإيمان المعلن والسياسة الممارسة والأرواح الأفريقية التي أُزهقت في البحر.

يجد التقرير نقطته المركزية هنا: الهجرة ليست مجرد قضية أوروبية، بل هي ألم مشترك بين هوامش غير متكافئة.


الإيمان العام


نادراً ما يقتصر حديث الفاتيكان على من هم داخل الكنيسة. فعندما تطأ قدم البابا ميناءً يشهد توافد المهاجرين الأفارقة، يدخل الخطاب الديني حيز الدبلوماسية والأخلاق العامة والخلاف السياسي. لم يزر البابا ليو الرابع عشر أرجوينغين كسائحٍ متعاطف، بل زارها كمن يضع الإيمان فوق اختبار الحياة البشرية الملموس.

استمدت قوة هذه البادرة من المكان نفسه. فأرغينيغين ليست مجرد اسم مجرد، بل هي نقطة جغرافية شهدت فيها أوروبا وصول الخوف والجوع والإرهاق والأمل لآلاف الأشخاص. وفي عام 2020، ارتبط الميناء بالعار لأن تدفق الناس إليه فاق طاقته الاستيعابية، وكشف عن قصور الاستجابة المؤسسية الأوروبية.

بتأكيده على أن الكرامة لا تزول بمجرد عبور الحدود، أثار البابا جدلاً واسعاً في النقاش الدائر. فغالباً ما تسعى سياسات الهجرة إلى فصل المهاجر عن إنسانيته. تبدأ بتحويله إلى مهاجر غير شرعي، ثم إلى مجرد رقم، وأخيراً إلى مشكلة عامة.

اللغة تُطهّر المعاناة قبل أن تُطهّر المسؤولية. ولذلك كان وجود البابا في جزر الكناري مُقلقًا. فقد منع المحيط الأطلسي من أن يبقى مجرد طريق جغرافي. أجبرنا البابا على النظر إلى البحر كأرشيف للوفيات، حيث يحمل كل زورق مفقود قصة بطالة، أو اضطهاد، أو يأس، أو ديون عائلية، أو وعدًا بالعمل.

للإيمان العام قيمةٌ عندما يمنع اللامبالاة. فهو لا يغني عن السياسة، ولكنه قد يكشفها. وفي حديثه في الميناء، أشار البابا ليو الرابع عشر إلى أن المسيحية الأوروبية لا يمكنها الدفاع عن الحياة على المذبح ثم تقبلها كخسارة مقبولة في المحيط. في جزر الكناري، لم يعد هذا التناقض مجرد مفهوم، بل أصبح واقعًا ملموسًا لدى الواصلين إليها منهكين.


البحر الأفريقي


إنّ الطريق الأطلسي إلى جزر الكناري أفريقيٌّ قبل أن يكون أوروبيًّا. ينطلق من الشواطئ والأحياء والقرى والمدن حيث ينظر الشباب إلى الأفق كملاذٍ أخير. لا يبدأ البحر من الموانئ، بل يبدأ بأجورٍ زهيدة، ومدارس لا تُقدّم أيّ آفاق، وعدم استقرار سياسي، وجفاف، وديون، وانعدام السبل القانونية.

أوروبا عادةً ما تشهد الوصول، بينما أفريقيا تشهد المغادرة. بينهما صحارى شاسعة، ووسطاء، وعائلات مثقلة بالديون، وشبكات تهريب، واقتصاد قائم على الموت يزدهر حيثما تعجز الدولة. لا يركب شاب سفينة هشة لأنه يعشق المخاطرة، بل لأن الشاطئ الذي وُلد فيه أصبح ضيقًا جدًا بحيث لا يستطيع التنفس فيه.

لم يحلّ المحيط الأطلسي قبالة جزر الكناري محلّ البحر الأبيض المتوسط ​​كرمزٍ للمأساة، بل انضمّ إليه. يكمن الاختلاف في البُعد، والاختفاء، والعزلة. تختفي سفنٌ كثيرة دون كاميرات، ودون أسماء، ودون انتشال جثث. الموت في البحر ذو شقّين: فهو يقتل الإنسان ويسلب عائلته حقّ دفنه.

بحسب وكالة رويترز، لقي أكثر من ثلاثة آلاف شخص حتفهم عام 2025 أثناء محاولتهم الوصول إلى جزر الكناري، وفقًا لمنظمة كاميناندو فرونتيرس. وذكرت صحيفة الغارديان أن الطريق الأطلسي لا يزال من بين أخطر الطرق في العالم، حيث فُقدت آلاف الأرواح في محاولات الوصول إلى أوروبا.

لا يقتصر السؤال الأفريقي على سبب هجرتهم فحسب، بل يتعداه إلى من يستفيد من رحيلهم، ومن يبيع حق العبور، ومن يغلق الطرق القانونية، ومن يمول اتفاقيات الإبقاء، ومن يحول حرية تنقل البشر إلى ورقة مساومة. وضع بابا في جزر الكناري علامةً أخلاقيةً على هذه الخريطة. لكن هذه العلامة وحدها لا تُغير السياسة، بل تُجبر الحكومات فقط على الإصغاء لما تُفضل إخفاءه.


أوروبا المغلقة


تشهد أوروبا تناقضاً ديموغرافياً وأخلاقياً. فهي بحاجة إلى العمال، لكنها تخشى الوافدين غير المرغوب فيهم. تتحدث عن حقوق الإنسان، لكنها تعزز حدودها. تندب حوادث غرق السفن، لكنها تقبل سياسات تدفع الناس إلى سلوك طرق أطول وأكثر فتكاً. تبدأ المشكلة حيث تنتهي الرواية الرسمية: في الفرق بين إدارة تدفقات الهجرة وحماية الأرواح.

دخل البابا ليو الرابع عشر هذا الصراع دون خطاب دبلوماسي أجوف. ففي تينيريفي، بحسب صحيفة الغارديان، صرّح قائلاً: "كلنا مهاجرون"، وحذّر من مصيرٍ مأساويّ لمن يصلون أحياءً ليجدوا أنفسهم في عزلة واستغلال وبطالة وانعدام أمن. فالرحلة لا تنتهي بالنزول من السفينة، بل غالباً ما تتغير ملامحها فحسب.

يهدف الإصلاح الأوروبي للهجرة واللجوء إلى تنظيم الإجراءات، وتسريع البتّ فيها، وتوزيع المسؤوليات. لكن منظمات حقوق الإنسان تستنكر خطر إضعاف ضمانات اللجوء وإضفاء الشرعية على ردود فعل أكثر قسوة. فعندما تُستغلّ السياسة من رحم الخوف الانتخابي، تفقد الحدود كونها أداة قانونية وتتحول إلى ساحة استعراض للقوة.

تحدث البابا أيضًا إلى المتاجرين بالبشر، أولئك الذين ينظمون طرق الموت، ويستغلون العمال، ويهددون النساء، ويتخذون من الضعف تجارةً رابحة. هذا التنديد ضروري، ولكنه غير مكتمل دون النظر إلى البنية التي تغذي الاتجار بالبشر. بوجود البابا في جزر الكناري، اكتسب التنديد ثقلًا أكبر، إذ أصبح سؤالًا موجهًا إلى السياسة الأوروبية. عندما تُغلق السبل القانونية، تكتسب الشبكات غير القانونية حصةً أكبر في السوق، وترفع أسعارها، وتسيطر، وتتمكن من الابتزاز.

لا تستطيع أوروبا مكافحة الاتجار بالبشر بالشرطة وحدها. إنها بحاجة إلى تأشيرات إنسانية، وممرات آمنة، وتعاون قائم على الكرامة، ودعم حقيقي، واستثمار جاد في معالجة الأسباب الجذرية للهجرة. كما يجب عليها أن تُقرّ بأن جزءًا من ازدهارها التاريخي نابع من علاقات غير متكافئة مع أفريقيا. فالهجرة ليست غزوًا، بل هي عودة إنسانية من تاريخ لم يُحسم. وبدون إدراك ذلك، ستستمر السياسات في حماية الحدود على حساب فقدان الأرواح في البحر.


الذاكرة والكرامة


إنّ عبارة "رصيف العار" تعبير قاسٍ لأنها تحمل في طياتها اتهاماً. فهي لا تُخجل من وصلوا منهكين، بل تُخجل من استقبلوا البشر كزائدة عن الحاجة، ومصدر إزعاج، وضجيج إداري. تُذكّرنا ذكرى هذا الميناء بأنّ الديمقراطية تُقاس أيضاً بمعاملتها للناس الذين لا يملكون حق التصويت، ولا يملكون وثائق، ولا حماية، ولا قوة تفاوضية.

الكرامة، وهي كلمةٌ يُكثر البابا من استخدامها، لا يمكن أن تكون مجرد شعارٍ مُنمّق. إنها تتطلب توفير مأوى، وماء، وطعام، ومساعدة قانونية، وترجمة، ورعاية صحية، وأذن صاغية، واندماج. إنها تتطلب ألا يُعامل الطفل الأفريقي كتهديد قبل الاعتراف به كطفل. إنها تتطلب ألا تُضطر المرأة الناجية من العنف إلى إثبات إنسانيتها خلف منضدة.

بالنسبة لأفريقيا، ينبغي قراءة كتاب "البابا في جزر الكناري" بعقلانية. تقع على عاتق أوروبا مسؤولية، لكن على الدول الأفريقية أيضاً أن تُحاسب أمام شبابها. إن الحكومات التي تترك المجتمعات بلا وظائف، والمدارس بلا جودة، والأراضي بلا أمن، والشعوب بلا ثقة، تدفع المواطنين نحو البحر. السيادة ليست مجرد راية، بل هي القدرة على حماية الحياة.

تكتسب الكنيسة، بدورها، سلطةً عندما تختار الوقوف إلى جانب الجرحى دون تحويل معاناتهم إلى مجرد صور. ورث البابا ليو الرابع عشر من البابا فرنسيس مركزية المهاجرين، لكنه في جزر الكناري منح هذا الإرث بُعدًا جغرافيًا ملموسًا. كانت الرسالة واضحة: لا حدود أغلى من حياة الإنسان.

سيظل المحيط الأطلسي ممرًا ما دامت هناك فجوة بين ضفتيه. ويكمن الفرق في كونه ممرًا للموت أم ممرًا للتنقل المنظم والآمن والإنساني. لقد علّم أرجوينغين أن العار يمكن أن يتحول إلى ذاكرة حية. ولكن لن يكون هناك أمل إلا عندما تتوقف السياسة عن إحصاء الضحايا وتبدأ في منعهم من الوجود.


اختتام


لم تُسهم زيارة البابا ليو الرابع عشر لجزر الكناري في حل أزمة الهجرة، ولا يُمكنها ذلك. تكمن قيمة البابا في جزر الكناري في جانب آخر: فقد وضع موت الأفارقة في صميم الوعي الأوروبي، ورفض تطبيع حوادث غرق السفن. وبذلك، أعاد البُعد الأخلاقي إلى مأساةٍ غالبًا ما تُختزل إلى نسبٍ مئوية وعملياتٍ ووافدين.

ليس المحيط الأطلسي مجرد حدود، بل هو مرآة تعكس أوروبا المنغلقة على نفسها، وأفريقيا التي تفقد أطفالها، والمتاجرين بالبشر الذين يستغلون اليأس، والدول التي تعجز عن حماية الأرواح. عندما انحنى البابا أمام هذا البحر، لم يعد السؤال دينيًا، بل أصبح إنسانيًا: أي حضارة تقبل البقاء على حساب اللامبالاة؟ ستعتمد الإجابة على السياسات التي تستبدل الفوضى بمسارات آمنة ومسؤوليات مُتحمّلة.

 


هل يمكن لزيارة البابا لجزر الكناري أن تُجبر أوروبا وأفريقيا على تغيير نظرتهما للهجرة؟ نودّ معرفة رأيك، فلا تتردد في التعليق، وإذا أعجبك المقال، شاركه وأعطه إعجابك.

 

صورة: © 2026 الفاتيكان ميديا
فرانسيسكو لوبيز سانتوس

رياضي أولمبي، حاصل على دكتوراه في أنثروبولوجيا الفن، ودرجتي ماجستير، إحداهما في تدريب الأداء العالي والأخرى في الفنون الجميلة، بالإضافة إلى العديد من الدورات التخصصية في مجالات مختلفة. كاتب غزير الإنتاج، نشر العديد من الكتب الشعرية والروائية، بالإضافة إلى العديد من المقالات والأبحاث العلمية.

فرانسيسكو لوبيز سانتوس
فرانسيسكو لوبيز سانتوسhttp://xesko.webs.com
رياضي أولمبي، حاصل على دكتوراه في أنثروبولوجيا الفن، ودرجتي ماجستير، إحداهما في تدريب الأداء العالي والأخرى في الفنون الجميلة، بالإضافة إلى العديد من الدورات التخصصية في مجالات مختلفة. كاتب غزير الإنتاج، نشر العديد من الكتب الشعرية والروائية، بالإضافة إلى العديد من المقالات والأبحاث العلمية.
أحدث الأخبار
أخبار ذات صلة

اترك إجابة

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اترك الحقل أدناه فارغا!

فشل التحقق من الكابتشا!
فشل تقييم المستخدم في اختبار الكابتشا. يُرجى التواصل معنا!